مصباح
19-04-2007, 07:18 PM
أنا "مكتئب".. إذن أنا موجود في مصر
حمدي الحسيني (http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1176802082360&pagename=Zone-Arabic-CyberCounsel%2FCCALayout#***1)
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1176804015743&ssbinary=true البطالة أبرز أسباب إصابة شباب مصر بالاكتئاب "أنا مكتئب".. عبارة تتبادلها شريحة عريضة في مصر بشكل متكرر، بعد أن تضاعف عدد المصابين والمعرضين للاكتئاب.. هذه العبارة لم تَعُد قاصرة على فئة بعينها.. حيث يرددها الغني والفقير، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، سكان المدن والريف، العاطلون والعاملون، المتفوقون والمتكاسلون، المتميزون وتكملة العدد.
هناك مؤشرات كثيرة توحي بأن عدد المكتئبين المصريين في تصاعد مستمر، ويتوقع المتخصصون أن السنوات القادمة سوف تشهد مزيدًا من مرضى الاكتئاب، وأسباب ذلك كثيرة ومتنوعة تبدأ بالقهر السياسي، والفشل والطبقية والتمييز، وتنتهي بالبطالة والشعور بالإحباط والظلم الاجتماعي والتلوث والضوضاء والزحام والإحساس بعدم المساواة.
عيادات العلاج النفسي في مصر تشهد ازدحامًا هذه الأيام، وشريحة كبيرة من الناس تحتفظ في ملابسها بأدوية مهدئة، كثيرون لا يزورهم النوم إلا بتناول الأدوية بشكل منتظم.
في السابق كان المصابون بالاكتئاب أفرادًا معدودين في المجتمع، وكانت أيضًا الأسباب معروفة للجميع وتنحصر إما في الفشل الدراسي أو العاطفي، أما الآن فقد تطور المرض وتجاوز هذه الأسباب إلى قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية أيضًا.
دراسة مخيفة
أعداد مرضى الاكتئاب في مصر تدعو للانزعاج، فأحدث دراسة أعدها الدكتور أحمد عكاشة خبير الطب النفسي المعروف، تتحدث عن حوالي 6 ملايين مريض فعلي يتلقون العلاج، أكثر من نصفهم يقيمون في العاصمة.. المخيف في دراسة الدكتور عكاشة أنها ترصد شريحة عريضة تضم نسبة بين 11 إلى 19% من عدد السكان مصابين بالاكتئاب معظمهم من صغار السن، ويعيشون في مناطق عشوائية بالقاهرة وعواصم الأقاليم، وأغلب هؤلاء عرضة للانضمام الفوري لفئة المرضى إذا لم تتغير الظروف التي دفعتهم إلى الاكتئاب، كما تحذر الدراسة من أن نسبة من المرضى معرضون إلى الانتحار في حال عدم تلقيهم العلاج اللازم وتوفير مناخ أكثر ملاءمة للشفاء.
فئة الشباب هي الأسرع عرضة للإصابة بالاكتئاب من غيرهم؛ نظرًا لحجم الإحباطات التي يواجهونها، حيث أصبح شبح البطالة سيفًا مسلطًا على رقابهم في كل وقت، والبعض حاول التغلب عليها بالسفر إلى الخارج.. ولما كانت المعوقات تصل إلى حد الاستحالة اتجه بعضهم إلى الطرق غير الشرعية للتسلل إلى أوروبا، فكانت النتيجة أن عشرات الشباب يدفعون حياتهم ثمنًا لمغامرة غير محسوبة.
أما القسم الأكبر من هؤلاء الشباب فقد فضل الانتظار، مكتفين برفع شعار يتبادلونه فيما بينهم يقول "أنا مكتئب.. إذن أنا موجود في مصر".. فحالات الاكتئاب التي انتهت بالانتحار كانت أكثر الدلالات على خطورة انتشار الاكتئاب بين هذه الفئة العمرية على نطاق واسع، حيث عادة تنتهي بعض هذه الحالات برغبة مُلحّة في التخلص من الحياة بالانتحار.
شهدت الفترة من عام 2000 حتى عام 2004 أكثر من 2880 حالة انتحار، كان معظمهم من الشباب، وعادة كانت دوافع الانتحار اقتصادية، أو بسبب الاستبعاد عن الوظائف والفشل في العثور على فرصة عمل مناسبة.
ومع تزايد أعداد السكان المستمر في مصر، وتوقف الحكومة عن تعيين الخريجين، وتطبيق سياسات اقتصادية تقوم على خصخصة المؤسسات والهيئات العامة، انضمت شريحة عريضة من شباب الخريجين إلى طابور العاطلين، وتضاعف عدد المحبطين خصوصًا المتفوقين دراسيًّا منهم، وهم يرون أبناء الأثرياء والقادرين يستحوذون على فرص العمل القليلة المتاحة دون مراعاة للمعاناة التي عاشوها من أجل التفوق طوال سنوات الدراسة؛ ليتساووا في النهاية مع الكسالى والمتقاعسين، بل ربما كان بعض هؤلاء الكسالى أفضل حظًّا من الموهوبين الذين لا يملكون واسطة أو جاها يدفع بهم إلى الحصول على فرص متساوية مع الآخرين.
حالات انتحار
بالطبع هؤلاء اليائسون المحبطون يعيشون لحظات قاسية وظروفا عصيبة، تنتهي بنسبة كبيرة منهم إلى الاكتئاب، وتدريجيًّا ومع استمرار نفس الأوضاع بلا تغيير تتضاعف معاناتهم النفسية، بعدها يتحول الاكتئاب من حالة عابرة إلى وضع مرضي، وبالطبع لن يذهب الكثير منهم للعلاج اللازم فتكون نهاية أغلب هذه الحالات هي الانتحار.
النماذج على هذه الحالات كثيرة ومتعددة، لكن الحالة الأبرز التي ما زالت تشغل بال الشباب قصة الشاب "عبد الحميد شتا" (25 عامًا) وهو خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث يطلق عليه البعض "شهيد الإحباط"، وتعود قصته إلى صيف عام 2002 عندما تقدم إلى إعلان لمكتب التمثيل التجاري التابع لوزارة التجارة الخارجية، وتم اختياره للوظيفة مع 34 متسابقًا آخرين من بين حوالي ألف متقدم، فقد كان شابًّا متفوقًا ويجيد عدة لغات أجنبية، وحاصلا على أكثر من دورة في مجال التكنولوجيا الرقمية، مما أهّله لاجتياز كافة الاختبارات بسهولة.
وظل المسئولون في مكتب التمثيل التجاري يرفضون إعلان النتائج النهائية انتظارًا لرأي الجهات الأمنية التي وقفت في وجه تحقيق حلم عبد الحميد لتمثيل بلاده في الخارج، فكان قرار الأمن أنه "غير لائق اجتماعيًّا"؛ لأن والده فلاح بسيط وهو من أسرة متواضعة.
وعندما تأكد "شتا" من استبعاده وقرأ أسماء زملائه الـ33 فيما عدا اسمه أظلمت الدنيا في وجهه ولم يستطع تحمل الصدمة، وأجرى مكالمة أخيرة مع زوجة أخيه أوصى خلالها الأسرة على شقيقه الأصغر الذي يدرس الطب، ثم أغلق هاتفه المحمول، واتجه مباشرة إلى كوبري أكتوبر العابر لنهر النيل وألقى بنفسه وسط ذهول المارة، واختفت جثته تحت مياه النيل كأنها تتوارى عن أعين الناس والحياة إلى أن ظهرت في اليوم التالي عند القناطر الخيرية على بعد حوالي عشرين كم شمال القاهرة.
قصة عبد الحميد شتا تتكرر بشكل دائم في الكثير من الجامعات المصرية، ونفس السيناريو تقريبًا تكرر مؤخرًا مع شريف نافع الذي نشرت الصحف المصرية قصته فهو الأول على زملائه بكلية الإعلام عام 2005، وقد رشحته الكلية للتعيين معيدًا بقسم الصحافة، لكن بعد مرور عامين اكتشف تعيين أبناء الأساتذة وكبار المسئولين بدلاً منه.. انهار الشاب المتفوق.. أسرع يشكو في كل مكان لكن بلا مجيب.
نموذج آخر وضحية جديدة لليأس من العثور على فرصة عمل في منطقة شبرا الخيمة إحدى ضواحي القاهرة، حيث انتحر "أحمد محمود" (28 عامًا) بعد أن قام بإلقاء نفسه في نهر النيل، وترك ورقة صغيرة داخل طيات ملابسه يؤكد فيها أنه انتحر بعد وفاة والدته بأربعين يومًا، خاصة أن والده توفاه الله أيضًا، وله ستة أشقاء أصغر منه معظمهم في مراحل التعليم المختلفة، ولا يستطيع أن يساعدهم بعد أن حصل على بكالوريوس تجارة وفشل خلال 4 سنوات من تخرجه في العثور على فرصة عمل يستطيع من خلالها توفير احتياجاته واحتياجات أشقائه الصغار.
كذلك في مطلع عام 2003 فوجئ سكان شارع الملك فيصل في محافظة الجيزة، بشاب في بداية العقد الثاني من العمل مشنوقًا ومعلقًا على إحدى دعامات الكباري، وتطل من ملابسه ورقة مدون بها رسالة قصيرة لأسرته وأصدقائه يعتذر لهم عن مفارقتهم بعد إغلاق كل الطرق لحصوله على وظيفة مناسبة.
وربما فرصة العمل والحفاظ عليها كانت دافعًا أيضًا لارتكاب جرائم بشعة كما حدث في جريمة قتل الفنانة فاتن فريد التي هزت المجتمع المصري في شهر فبراير 2007، فتبين أن القاتل شاب يبلغ من العمر 26 سنة، ويعمل في محطة وقود يمتلكها زوجها وعندما أبعده زوجها عن العمل لجأ إليها لتعيده مرة أخرى وعندما رفضت، طعنها بسكين كان يخفيها في ملابسه وسلّم نفسه للشرطة.
لماذا في مصر؟
خبراء الطب النفسي اتفقوا على التفريق بين درجات الإصابة بين مرضى الاكتئاب -وهؤلاء يمثلون شريحة كبيرة يخضع قسم كبير منهم للعلاج- بينما اختلفوا حول الشرائح المرشحة للإصابة والأسباب الحقيقية التي تؤدي لانتشار الاكتئاب على نطاق واسع في مصر.
فهناك من اعتبر أن الإحباط السياسي، وتفشي الفساد، والتزوير وخداع كبار المسئولين، أهم الأسباب التي تساهم في إصابة المواطنين بالاكتئاب.
بينما يرى البعض أن الظروف الاقتصادية الصعبة والبطالة وأزمة السكن وارتفاع الأسعار وتأخر سن الزواج وانتشار العنوسة كلها عوامل أساسية للاكتئاب.. في المقابل يذهب آخرون إلى اعتبار أن التكدس وثقافة الزحام والتلوث بكافة أشكاله من أبرز مسببات المرض.
الدكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسي، يرى أن هناك علاقة قوية بين انتشار الاكتئاب وحرمان الشخص من حقوقه وحرياته الأساسية، فحين لا تمارس الناس حريتها ولا تأخذ حقوقها الطبيعية يؤدي ذلك إلى زيادة معدلات الاكتئاب، وربما يؤدي أيضًا لتصاعد ظاهرة العنف.
ويضيف: إننا بشكل عام كمجتمعات عربية لم نتدرب على السلوك السياسي السليم، حتى أصبحنا شعوبًا قاصرة، تقودها حكامها كالطفل الصغير، وفي مصر بالتحديد فالموقف يزداد صعوبة، وتؤدي الأوضاع السياسية القائمة على مبدأ تهميش قطاع كبير من المواطنين إلى تعريض فئات كثيرة للإصابة باليأس والإحباط عند التفكير في المستقبل، وبالتالي فإن شريحة كبيرة من هؤلاء الشباب حتمًا ستصاب بالاكتئاب، إما الاكتئاب المرضي أو العارض الذي يزول بزوال السبب.
ويشير الدكتور فاضل إلى الطريقة التي مرر بها الحزب الحاكم في مصر عملية التعديلات الدستورية، حيث ضاعفت من يأس الناس في التطلع لمستقبل أفضل، بعيدًا عن تأثير مثل هذه الخطوة على تعميق الإحباط لدى الشباب، فقد سمعت الكثير منهم يتحدثون عن اليأس في تغيير أوضاعهم.
ويتفق الدكتور يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة مع الدكتور خليل فاضل في أن الأوضاع السياسية تلعب دورًا مؤثرًا في نسبة المصابين بالاكتئاب في المجتمع.
ويرى أن المجتمعات الديمقراطية التي تقوم أنظمتها على العدالة الاجتماعية ينتج عنها مجتمع سوي قادر على الإنتاج والتقدم بسرعة أكبر من المجتمعات الدكتاتورية التي لا تقيم وزنًا لمواطنيها، فتقوم بتزوير الانتخابات، وحماية المسئولين الفاسدين، كما تتقاعس عن تقديم المجرمين للعدالة.. وكل هذا يشعر المواطن العادي بحالة عارمة من اليأس تدفعه للاكتئاب.
ويربط الدكتور عبد المحسن بين تنامي ظاهرة الاكتئاب وبين القضايا الكبيرة التي هزت المجتمع المصري، فمثلاً تضاعف عدد المصابين بالاكتئاب الطارئ في أعقاب نشر صور إعدام صدام حسين، كما أن هناك فئات أصيبت بصدمة من غزو الولايات المتحدة للعراق، كذلك هناك قطاع كبير من الشباب والأطفال تعرضوا لأزمات نفسية بسبب تكرار مشاهد قتل جنود الاحتلال الإسرائيلي لأطفال المدارس الفلسطينيين.
أما على المستوى الداخلي فيعتبر أستاذ الطب النفسي أن حادث غرق العبارة السلام 98 واستشهاد أكثر من ألف مواطن مصري في مياه البحر الأحمر 2006 تسبب في إصابة آلاف المصريين بالاكتئاب المؤقت، وبالمثل فإن حادث قطار الصعيد الذي احترق بداخله عدد مماثل لضحايا العبارة أيضًا ضاعف من أعداد المعرضين للإصابة أصلاً بالاكتئاب.
طرق العلاج
وعن طرق العلاج يفضل الدكتور خليل فاضل مدرسة العلاج من خلال الحوار والنقاش العلمي بين المريض والمعالج، فكثيرًا ما ينصح مرضاه بالتمشية على كورنيش النيل أو التنزه وسط الحدائق أو الخروج من زحام وتلوث العاصمة بضوضائها الصاخبة، أما نصيحته للمعرضين للإصابة هي التقليل من الانفعال بالأحداث السياسية، والابتعاد عن متابعة قضايا الفساد، وعدم تصديق وعود المسئولين.
ومن جانبه يدعو الدكتور يسري عبد المحسن إلى معالجة مرضى الاكتئاب بإزالة أسباب المرض، فمثلاً إذا كان المريض يتعرض لضغوط في العمل فعليه الحصول على إجازة، وإذا كانت الضغوط تأتي من داخله بسبب الكبت فعليه أن يزيل أسبابها وذلك بالتعاون بين المريض والطبيب.
كما ينصح الدكتور عبد المحسن المعرضين للاكتئاب -بسبب عوامل خارجية بعضها سياسي أو اقتصادي- بأن الحل ليس لديهم بل لدى نظام الحكم الذي يرفض الاعتراف بحق كل مواطن في المشاركة السياسية الطبيعية، والحياة في إطار اقتصادي معقول.. أما دون ذلك فستبقى فئات كثيرة من المجتمع مصابة بالإحباط واليأس، ومعرضة حتمًا للانضمام إلى قوائم مرضى الاكتئاب.
صحفي مصري مهتم بالشأن الاجتماعي، يمكنكم التواصل معه عبر البريد الخاص بالصفحة holol@iolteam.com (//holol@iolteam.com/).
حمدي الحسيني (http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1176802082360&pagename=Zone-Arabic-CyberCounsel%2FCCALayout#***1)
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?blobcol=urldata&blobheader=image%2Fjpeg&blobkey=id&blobtable=MungoBlobs&blobwhere=1176804015743&ssbinary=true البطالة أبرز أسباب إصابة شباب مصر بالاكتئاب "أنا مكتئب".. عبارة تتبادلها شريحة عريضة في مصر بشكل متكرر، بعد أن تضاعف عدد المصابين والمعرضين للاكتئاب.. هذه العبارة لم تَعُد قاصرة على فئة بعينها.. حيث يرددها الغني والفقير، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، سكان المدن والريف، العاطلون والعاملون، المتفوقون والمتكاسلون، المتميزون وتكملة العدد.
هناك مؤشرات كثيرة توحي بأن عدد المكتئبين المصريين في تصاعد مستمر، ويتوقع المتخصصون أن السنوات القادمة سوف تشهد مزيدًا من مرضى الاكتئاب، وأسباب ذلك كثيرة ومتنوعة تبدأ بالقهر السياسي، والفشل والطبقية والتمييز، وتنتهي بالبطالة والشعور بالإحباط والظلم الاجتماعي والتلوث والضوضاء والزحام والإحساس بعدم المساواة.
عيادات العلاج النفسي في مصر تشهد ازدحامًا هذه الأيام، وشريحة كبيرة من الناس تحتفظ في ملابسها بأدوية مهدئة، كثيرون لا يزورهم النوم إلا بتناول الأدوية بشكل منتظم.
في السابق كان المصابون بالاكتئاب أفرادًا معدودين في المجتمع، وكانت أيضًا الأسباب معروفة للجميع وتنحصر إما في الفشل الدراسي أو العاطفي، أما الآن فقد تطور المرض وتجاوز هذه الأسباب إلى قضايا اقتصادية واجتماعية وسياسية أيضًا.
دراسة مخيفة
أعداد مرضى الاكتئاب في مصر تدعو للانزعاج، فأحدث دراسة أعدها الدكتور أحمد عكاشة خبير الطب النفسي المعروف، تتحدث عن حوالي 6 ملايين مريض فعلي يتلقون العلاج، أكثر من نصفهم يقيمون في العاصمة.. المخيف في دراسة الدكتور عكاشة أنها ترصد شريحة عريضة تضم نسبة بين 11 إلى 19% من عدد السكان مصابين بالاكتئاب معظمهم من صغار السن، ويعيشون في مناطق عشوائية بالقاهرة وعواصم الأقاليم، وأغلب هؤلاء عرضة للانضمام الفوري لفئة المرضى إذا لم تتغير الظروف التي دفعتهم إلى الاكتئاب، كما تحذر الدراسة من أن نسبة من المرضى معرضون إلى الانتحار في حال عدم تلقيهم العلاج اللازم وتوفير مناخ أكثر ملاءمة للشفاء.
فئة الشباب هي الأسرع عرضة للإصابة بالاكتئاب من غيرهم؛ نظرًا لحجم الإحباطات التي يواجهونها، حيث أصبح شبح البطالة سيفًا مسلطًا على رقابهم في كل وقت، والبعض حاول التغلب عليها بالسفر إلى الخارج.. ولما كانت المعوقات تصل إلى حد الاستحالة اتجه بعضهم إلى الطرق غير الشرعية للتسلل إلى أوروبا، فكانت النتيجة أن عشرات الشباب يدفعون حياتهم ثمنًا لمغامرة غير محسوبة.
أما القسم الأكبر من هؤلاء الشباب فقد فضل الانتظار، مكتفين برفع شعار يتبادلونه فيما بينهم يقول "أنا مكتئب.. إذن أنا موجود في مصر".. فحالات الاكتئاب التي انتهت بالانتحار كانت أكثر الدلالات على خطورة انتشار الاكتئاب بين هذه الفئة العمرية على نطاق واسع، حيث عادة تنتهي بعض هذه الحالات برغبة مُلحّة في التخلص من الحياة بالانتحار.
شهدت الفترة من عام 2000 حتى عام 2004 أكثر من 2880 حالة انتحار، كان معظمهم من الشباب، وعادة كانت دوافع الانتحار اقتصادية، أو بسبب الاستبعاد عن الوظائف والفشل في العثور على فرصة عمل مناسبة.
ومع تزايد أعداد السكان المستمر في مصر، وتوقف الحكومة عن تعيين الخريجين، وتطبيق سياسات اقتصادية تقوم على خصخصة المؤسسات والهيئات العامة، انضمت شريحة عريضة من شباب الخريجين إلى طابور العاطلين، وتضاعف عدد المحبطين خصوصًا المتفوقين دراسيًّا منهم، وهم يرون أبناء الأثرياء والقادرين يستحوذون على فرص العمل القليلة المتاحة دون مراعاة للمعاناة التي عاشوها من أجل التفوق طوال سنوات الدراسة؛ ليتساووا في النهاية مع الكسالى والمتقاعسين، بل ربما كان بعض هؤلاء الكسالى أفضل حظًّا من الموهوبين الذين لا يملكون واسطة أو جاها يدفع بهم إلى الحصول على فرص متساوية مع الآخرين.
حالات انتحار
بالطبع هؤلاء اليائسون المحبطون يعيشون لحظات قاسية وظروفا عصيبة، تنتهي بنسبة كبيرة منهم إلى الاكتئاب، وتدريجيًّا ومع استمرار نفس الأوضاع بلا تغيير تتضاعف معاناتهم النفسية، بعدها يتحول الاكتئاب من حالة عابرة إلى وضع مرضي، وبالطبع لن يذهب الكثير منهم للعلاج اللازم فتكون نهاية أغلب هذه الحالات هي الانتحار.
النماذج على هذه الحالات كثيرة ومتعددة، لكن الحالة الأبرز التي ما زالت تشغل بال الشباب قصة الشاب "عبد الحميد شتا" (25 عامًا) وهو خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، حيث يطلق عليه البعض "شهيد الإحباط"، وتعود قصته إلى صيف عام 2002 عندما تقدم إلى إعلان لمكتب التمثيل التجاري التابع لوزارة التجارة الخارجية، وتم اختياره للوظيفة مع 34 متسابقًا آخرين من بين حوالي ألف متقدم، فقد كان شابًّا متفوقًا ويجيد عدة لغات أجنبية، وحاصلا على أكثر من دورة في مجال التكنولوجيا الرقمية، مما أهّله لاجتياز كافة الاختبارات بسهولة.
وظل المسئولون في مكتب التمثيل التجاري يرفضون إعلان النتائج النهائية انتظارًا لرأي الجهات الأمنية التي وقفت في وجه تحقيق حلم عبد الحميد لتمثيل بلاده في الخارج، فكان قرار الأمن أنه "غير لائق اجتماعيًّا"؛ لأن والده فلاح بسيط وهو من أسرة متواضعة.
وعندما تأكد "شتا" من استبعاده وقرأ أسماء زملائه الـ33 فيما عدا اسمه أظلمت الدنيا في وجهه ولم يستطع تحمل الصدمة، وأجرى مكالمة أخيرة مع زوجة أخيه أوصى خلالها الأسرة على شقيقه الأصغر الذي يدرس الطب، ثم أغلق هاتفه المحمول، واتجه مباشرة إلى كوبري أكتوبر العابر لنهر النيل وألقى بنفسه وسط ذهول المارة، واختفت جثته تحت مياه النيل كأنها تتوارى عن أعين الناس والحياة إلى أن ظهرت في اليوم التالي عند القناطر الخيرية على بعد حوالي عشرين كم شمال القاهرة.
قصة عبد الحميد شتا تتكرر بشكل دائم في الكثير من الجامعات المصرية، ونفس السيناريو تقريبًا تكرر مؤخرًا مع شريف نافع الذي نشرت الصحف المصرية قصته فهو الأول على زملائه بكلية الإعلام عام 2005، وقد رشحته الكلية للتعيين معيدًا بقسم الصحافة، لكن بعد مرور عامين اكتشف تعيين أبناء الأساتذة وكبار المسئولين بدلاً منه.. انهار الشاب المتفوق.. أسرع يشكو في كل مكان لكن بلا مجيب.
نموذج آخر وضحية جديدة لليأس من العثور على فرصة عمل في منطقة شبرا الخيمة إحدى ضواحي القاهرة، حيث انتحر "أحمد محمود" (28 عامًا) بعد أن قام بإلقاء نفسه في نهر النيل، وترك ورقة صغيرة داخل طيات ملابسه يؤكد فيها أنه انتحر بعد وفاة والدته بأربعين يومًا، خاصة أن والده توفاه الله أيضًا، وله ستة أشقاء أصغر منه معظمهم في مراحل التعليم المختلفة، ولا يستطيع أن يساعدهم بعد أن حصل على بكالوريوس تجارة وفشل خلال 4 سنوات من تخرجه في العثور على فرصة عمل يستطيع من خلالها توفير احتياجاته واحتياجات أشقائه الصغار.
كذلك في مطلع عام 2003 فوجئ سكان شارع الملك فيصل في محافظة الجيزة، بشاب في بداية العقد الثاني من العمل مشنوقًا ومعلقًا على إحدى دعامات الكباري، وتطل من ملابسه ورقة مدون بها رسالة قصيرة لأسرته وأصدقائه يعتذر لهم عن مفارقتهم بعد إغلاق كل الطرق لحصوله على وظيفة مناسبة.
وربما فرصة العمل والحفاظ عليها كانت دافعًا أيضًا لارتكاب جرائم بشعة كما حدث في جريمة قتل الفنانة فاتن فريد التي هزت المجتمع المصري في شهر فبراير 2007، فتبين أن القاتل شاب يبلغ من العمر 26 سنة، ويعمل في محطة وقود يمتلكها زوجها وعندما أبعده زوجها عن العمل لجأ إليها لتعيده مرة أخرى وعندما رفضت، طعنها بسكين كان يخفيها في ملابسه وسلّم نفسه للشرطة.
لماذا في مصر؟
خبراء الطب النفسي اتفقوا على التفريق بين درجات الإصابة بين مرضى الاكتئاب -وهؤلاء يمثلون شريحة كبيرة يخضع قسم كبير منهم للعلاج- بينما اختلفوا حول الشرائح المرشحة للإصابة والأسباب الحقيقية التي تؤدي لانتشار الاكتئاب على نطاق واسع في مصر.
فهناك من اعتبر أن الإحباط السياسي، وتفشي الفساد، والتزوير وخداع كبار المسئولين، أهم الأسباب التي تساهم في إصابة المواطنين بالاكتئاب.
بينما يرى البعض أن الظروف الاقتصادية الصعبة والبطالة وأزمة السكن وارتفاع الأسعار وتأخر سن الزواج وانتشار العنوسة كلها عوامل أساسية للاكتئاب.. في المقابل يذهب آخرون إلى اعتبار أن التكدس وثقافة الزحام والتلوث بكافة أشكاله من أبرز مسببات المرض.
الدكتور خليل فاضل استشاري الطب النفسي، يرى أن هناك علاقة قوية بين انتشار الاكتئاب وحرمان الشخص من حقوقه وحرياته الأساسية، فحين لا تمارس الناس حريتها ولا تأخذ حقوقها الطبيعية يؤدي ذلك إلى زيادة معدلات الاكتئاب، وربما يؤدي أيضًا لتصاعد ظاهرة العنف.
ويضيف: إننا بشكل عام كمجتمعات عربية لم نتدرب على السلوك السياسي السليم، حتى أصبحنا شعوبًا قاصرة، تقودها حكامها كالطفل الصغير، وفي مصر بالتحديد فالموقف يزداد صعوبة، وتؤدي الأوضاع السياسية القائمة على مبدأ تهميش قطاع كبير من المواطنين إلى تعريض فئات كثيرة للإصابة باليأس والإحباط عند التفكير في المستقبل، وبالتالي فإن شريحة كبيرة من هؤلاء الشباب حتمًا ستصاب بالاكتئاب، إما الاكتئاب المرضي أو العارض الذي يزول بزوال السبب.
ويشير الدكتور فاضل إلى الطريقة التي مرر بها الحزب الحاكم في مصر عملية التعديلات الدستورية، حيث ضاعفت من يأس الناس في التطلع لمستقبل أفضل، بعيدًا عن تأثير مثل هذه الخطوة على تعميق الإحباط لدى الشباب، فقد سمعت الكثير منهم يتحدثون عن اليأس في تغيير أوضاعهم.
ويتفق الدكتور يسري عبد المحسن، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة مع الدكتور خليل فاضل في أن الأوضاع السياسية تلعب دورًا مؤثرًا في نسبة المصابين بالاكتئاب في المجتمع.
ويرى أن المجتمعات الديمقراطية التي تقوم أنظمتها على العدالة الاجتماعية ينتج عنها مجتمع سوي قادر على الإنتاج والتقدم بسرعة أكبر من المجتمعات الدكتاتورية التي لا تقيم وزنًا لمواطنيها، فتقوم بتزوير الانتخابات، وحماية المسئولين الفاسدين، كما تتقاعس عن تقديم المجرمين للعدالة.. وكل هذا يشعر المواطن العادي بحالة عارمة من اليأس تدفعه للاكتئاب.
ويربط الدكتور عبد المحسن بين تنامي ظاهرة الاكتئاب وبين القضايا الكبيرة التي هزت المجتمع المصري، فمثلاً تضاعف عدد المصابين بالاكتئاب الطارئ في أعقاب نشر صور إعدام صدام حسين، كما أن هناك فئات أصيبت بصدمة من غزو الولايات المتحدة للعراق، كذلك هناك قطاع كبير من الشباب والأطفال تعرضوا لأزمات نفسية بسبب تكرار مشاهد قتل جنود الاحتلال الإسرائيلي لأطفال المدارس الفلسطينيين.
أما على المستوى الداخلي فيعتبر أستاذ الطب النفسي أن حادث غرق العبارة السلام 98 واستشهاد أكثر من ألف مواطن مصري في مياه البحر الأحمر 2006 تسبب في إصابة آلاف المصريين بالاكتئاب المؤقت، وبالمثل فإن حادث قطار الصعيد الذي احترق بداخله عدد مماثل لضحايا العبارة أيضًا ضاعف من أعداد المعرضين للإصابة أصلاً بالاكتئاب.
طرق العلاج
وعن طرق العلاج يفضل الدكتور خليل فاضل مدرسة العلاج من خلال الحوار والنقاش العلمي بين المريض والمعالج، فكثيرًا ما ينصح مرضاه بالتمشية على كورنيش النيل أو التنزه وسط الحدائق أو الخروج من زحام وتلوث العاصمة بضوضائها الصاخبة، أما نصيحته للمعرضين للإصابة هي التقليل من الانفعال بالأحداث السياسية، والابتعاد عن متابعة قضايا الفساد، وعدم تصديق وعود المسئولين.
ومن جانبه يدعو الدكتور يسري عبد المحسن إلى معالجة مرضى الاكتئاب بإزالة أسباب المرض، فمثلاً إذا كان المريض يتعرض لضغوط في العمل فعليه الحصول على إجازة، وإذا كانت الضغوط تأتي من داخله بسبب الكبت فعليه أن يزيل أسبابها وذلك بالتعاون بين المريض والطبيب.
كما ينصح الدكتور عبد المحسن المعرضين للاكتئاب -بسبب عوامل خارجية بعضها سياسي أو اقتصادي- بأن الحل ليس لديهم بل لدى نظام الحكم الذي يرفض الاعتراف بحق كل مواطن في المشاركة السياسية الطبيعية، والحياة في إطار اقتصادي معقول.. أما دون ذلك فستبقى فئات كثيرة من المجتمع مصابة بالإحباط واليأس، ومعرضة حتمًا للانضمام إلى قوائم مرضى الاكتئاب.
صحفي مصري مهتم بالشأن الاجتماعي، يمكنكم التواصل معه عبر البريد الخاص بالصفحة holol@iolteam.com (//holol@iolteam.com/).