دائمًا تأتي الكثرة في القرآن الكريم مذمومة! فالكثرة -بوصف رب العالمين- جاحدة جاهلة غير مؤمنة؛ قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [غافر: 61]، وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [غافر: 59]، ودائمًا هم يُريدون الابتعاد عن طريق الله، والتحرُّر من قيود الشريعة والدين؛ قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنعام: 116]. وهذا ليس فقط للحديث عن المؤمنين والكافرين في الأرض، ولكن للحديث كذلك عن المسلمين أنفسهم؛ فالمؤمنون الحريصون في كل خطواتهم على إرضاء رب العالمين، والمستعدُّون للبذل والتضحية من أجل الإسلام هم في الواقع قليلون، ولقد قال الله عز وجل في كتابه: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، وقال: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24].


ولهذا كله فإن المعتاد في الأرض أن الأغلبية لا تريد الالتزام بقواعد الدين وأحكامه؛ ومن ثم فإن المتوقَّع أن الأكثرية لن تختار الدعوات الدينية التي تنادي بتطبيق الشريعة والالتزام بحدود الإسلام، ولو حدث واختارتهم مرَّة فإن هذا سيكون "لظنهم" أن "الدنيا" ستكون معهم، فإذا تبيَّن للأكثرية أن "الدنيا" ليست معهم إنما مع غيرهم تركوهم بسرعة إلى مَنْ يمتلك الدنيا بشكل أكبر، وهذا هو الذي يحدث في العالم أجمع؛ حيث تحرص الأغلبية على اختيار من يُوفِّر لها رفاهية أكبر بصرف النظر عن أخلاقياته أو دينه، وعليه فإنه يتحتَّم على حملة أمانة الدين أن يبحثوا عن آليات أخرى لتحقيق ما يصبون إليه من أحلام، وأن يكفُّوا عن الحديث عن "شرعية الأغلبية"؛ لأن الأغلبية لن تكون معهم في الواقع إلا بشكل عابر ومؤقت، ولن يدعموا الإسلام إلا إذا التقت مصالحهم معه، ولْيعرف الجميع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُشَيِّد دولته في المدينة معتمدًا على أغلبية الشعب، إنما اعتمد على المهاجرين والأنصار فقط، وكانوا معًا أقل من عشرة بالمائة من شعب المدينة! إننا نحتاج لقراءة جديدة للقرآن الكريم والسيرة النبوية، كما نحتاج بشكل حاسم إلى قراءة الواقع الذي نعيش فيه!